ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
213
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
أقل من كل قليل وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا بالله أما معرفة ربه وعظمته وجلاله فالقول فيه يطول وأما معرفة نفسه فهي أيضا تطول ولكنا نذكر منه ما ينفع في إثارة التواضع والمذلة ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة من كتاب الله سبحانه فإن القرآن فيه علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته وقد قال الله تعالى « قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 1 ) » فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية أما أول الإنسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا ثم خلقه الله من أذل الأشياء ثم من أقذرها إذ خلقه من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم جعله عظما ثم كسا العظم لحما فقد كان هذا بداية وجوده حيث صار شيئا مذكورا فما صار مذكورا إلا وهو على أحسن الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم فبدأ بموته قبل حياته وبضعفه قبل قوته وبجهله قبل علمه وبعماه قبل بصره وبصممه قبل سمعه وببكمه قبل نطقه وبعجزه قبل قدرته فهذا معنى قوله مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ومعنى قوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ ( 2 ) كذلك خلقه أولا ثم امتن عليه فقال ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ وهذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت ولذلك قال مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ونطفة ثانيا وأسمعه بعد أن كان أصم وبصره بعد ما كان فاقد البصر ( 3 ) وقواه بعد الضعف وعلمه بعد الجهل وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها وأغناه بعد الفقر وأشبعه بعد الجوع وكساه بعد العري وهداه بعد الضلال فانظر كيف دبره وإلى
--> ( 1 ) سورة عبس آية 17 . ( 2 ) سورة الدهر آية 1 . ( 3 ) بعض النسخ [ فاقد البصرة ] .